كوبري دمياط في شمال مصر يتقاعد ويتحول إلى مركز ثقافي كامل

لا تستغرب أو تتعجب إذا ما دخلت إلى مدينة دمياط التي تقع على ساحل المتوسط، شمال القاهرة، أن تجد مكتوبا على حوائطها «إحنا اللي نقلنا المصنع ونقلنا الكوبري» وهو ما يتباهى به الدمايطة على وقوفهم في وجه كل ما ينافي رغبتهم ومصلحتهم. ولكن حكاية نقل المصنع معروفة للجميع وكانت قضية الساعة في وقت من الأوقات وهو مصنع «أجريوم» الكندي للكيماويات الذي توقف العمل به مخافة إضراره بالبيئة، أما الكوبري الذي تم نقله أيضا فهو كوبري دمياط القديم الذي تحول إلى تحفة معمارية وثقافية على شاطئ النيل، المواجه لمكتبة مبارك بالمدينة، ليتزاوج فيه الفن والثقافة المتمثلان في المكتبة.يبلغ طول الكوبري 64 مترا، وينقسم إلى 3 أجزاء، الجزء الأول للندوات وهو مجهز لهذا الغرض بأحدث الأجهزة، وكل الندوات في كل القضايا ليس فقط التي تهم أهالي دمياط ولكن في أي مجال، وجزء (جاليري)، والجزء الأخير عبارة عن قاعة اجتماعات مفتوحة، وهناك شرفتان كبيرتان بطول الكوبري، تصلحان للجلسات الثقافية، وأيضا المعارض الكبرى. والكوبري مزود بكل التقنيات الحديثة من أنظمة الصوت والكاميرات والإضاءة، والكراسي المتعددة الاستخدامات.ارتبط كوبري دمياط بوجدان الأهالي، فعلى جدرانه المعدنية الساجية فوق صفحة النيل، انطبعت الكثير من ذكرياتهم الجميلة، حتى أن حركة فتح الكوبري لعبور المراكب كان تمثل حدثا مهما، وطقسا شعبيا يترقبه أهل المدينة، حيث تندفع من تحته بقوة مياه الفيضان الحمراء محملة بالطمي والخصب، بينما تتراقص أسراب الدرافيل في حركات بهلوانية مثيرة للدهشة. لذلك خلف نقل الكوبري، الذي ظل يخدم أبناء دمياط قرابة 80 عاما، شعورا بالأسى، بين معظم الدمايطة. ويذكر المهندس الدكتور فتحي البرادعي محافظ دمياط أنه بالرغم من دقة صناعة الكوبري من حيث عرضه وتصميماته الهندسية عام1927، إلا أنها «لا تتناسب مع كونه كوبري لا تعبر عليه القطارات»، أما بصورته الحالية فهو يطابق تماما الكباري المصممة لعبور القطارات، خاصة قبل ازدواج السكك الحديدية، وتحديدا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وظل هذا التساؤل بلا إجابة كلما عبرت فوق الكوبري، إلى أن قادني البحث إلى مرجع مهم هو كتاب: «تقويم النيل» لواضعه أمين باشا سامي الذي نشر عام 1936م وفى هذا المرجع كانت الإجابة عن هذا السؤال. إذ إن المؤلف في استعراضه الرائع للجسور والقناطر والكباري والخزانات على نهر النيل وفروعه في مصر والسودان أكد أن كوبري دمياط تم تركيبه في دمياط عام 1927. غير أن تاريخه الحقيقي يعود إلى عام 1890 حيث أقيم على نهر النيل في إمبابة بالجيزة بطول 490 م إلى أن تم استبداله بكوبري آخر أحدث منه، وتم نقل أجزاء منه إلى موقعه الحالي بدمياط. ويقول الدكتور مجدي محمد إبراهيم مدير مكتبة مبارك العامة بدمياط: «لقد عقدنا مؤتمرا منذ فترة حول دمياط في التاريخ العربي والإسلامي، كان الكل يرى الحدث من خارج الكوبري، وكان التصور أن الكوبري يتيح للمارة رؤية ما يحدث من فعاليات بداخله فنحن بهذه الطريقة نوفر الدعاية والإعلان للجمهور بالإضافة إلى وجود منطقة واسعة جدا أمام الكوبري تتسع لـ 2500 شخص، وهو مخصص كأتلييه، لأن هناك كثيرا من الفنانين الكبار والصغار يريدون أن يرى الناس أعمالهم ويساعدنا على ذلك وجود كلية الفنون التطبيقية بجوار مكتبة مبارك العامة. وتم الاتفاق مع الأستاذ أحمد فؤاد سليم مدير متحف الفن المصري أيضا على إقامة ندوات حول الفن التشكيلي، ودمياط تتميز بأن معظم أهلها يعملون بأيديهم في شتى أنواع الفنون اليدوية.. فهذا المكان سيوفر متحفا ومكانا مفتوحا لعرض الأعمال، وقد تم الاتفاق مع الفرقة القومية للفنون الشعبية وفرقة رضا و13 فرقة أخرى من فرق الدولة على تقديم عروضها وأنشطتها طوال العام. ويعزز ذلك متانة الكوبري، وتزويده بأساليب وتقنيات معمارية وفنية حديثة تتيح لنا الاستفادة منه بأقصى درجة ممكنة».

ويضيف أيضا «استفدنا من الشارع نفسه المطل على الكوبري، فهناك مدرج من ثلاث درجات يتسع لـ 500 فرد، وهنا تكتمل الفائدة بأن أصبح بالشارع أيضا إمكانية ممارسة الأنشطة في أماكن مفتوحة تدعم جماهيرية هذه الأنشطة وتحفز عليها».

مقالات ذات صلة