فارسكور والحروب الصليبية

فارسكور والحروب الصليبية

فارسكور والحروب الصليبية

أصل الحروب الصليبية متى ولماذا ؟

مفكرة الإسلام :

أصل الحروب الصليبية التي انهالت على أمة الإسلام خاصة الشام ومصر يرجع في المقام الأول إلى كرسي البابوية المرجعية الدينية لكل نصارى العالم، وكان أول من فكر في ذلك الباب جويجوري السابع، وكان رجلاً طموحًا نشيطًا استغل نفوذه القوي داخل أوروبا وشرع في التخطيط لحملات صليبية دعوية لنر الدين النصراني بين أرجاء المعمورة كلها ولكن العمر لم يمتد به وأخذه الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر، وخلفه تلميذه النجيب أوربان الثاني، وذلك سنة 478هـ، وهو الذي أطلق شرارة الحروب الصليبية سنة 488 هـ، ولكن لماذا ؟ لعدة أسباب :

الحملة الصليبية السابعة :

استمرت الحملات الصليبية تنهال على الشام ومصر منذ عام 489 هـ حتى سنة 647هـ، وقد مضى منها ست حملات صليبية قادها معظم ملوك أوروبا مثل ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، وفيليب أغسطس ملك فرنسا وفردريك الثاني ملك ألمانيا وبها ميو ملك صقلية وقبرص وغيرهم، حتى وصلنا إلى الحملة الصليبية السابعة، وكان المحرك الأكبر لهذه الحملة الصليبية هو ملك فرنسا لويس التاسع الذي يلقب بلويس التقي، ولكن ما السبب وراء تلك الحملة ؟ السبب وراء ذلك أن لويس التاسع قد أصابه مرض شديد كاد أني هلك بسببه فنذر إن شفاه الله أن يقوم بشن حملة صليبية ضد الكفار [يعني المسلمين]، وكان ذلك بإشارة القساوسة والرهبان، مما يوضح الروح الدينية الخالصة التي تسيطر على عقول صليبيي أوروبا .

أعد لويس التاسع حملته بعناية كبيرة وزودها بخيرة الفرسان الفرنسيين والخيول والسلاح وتوجه إلى الشام حيث ما زالت هناك بعض الإمارات والنقاط الصليبية فنزل إلى عكا وبقي بها قليلاً استعدادًا للهجوم على الديار المصرية التي كانت في هذا الوقت أقوى الممالك الإسلامية عمومًا بعد اجتياح التتار الكاسح لديار الإسلام على الجبهة الشرقية، وقرر لويس التاسع أن تكون دمياط هي أولى أهداف الحملة الصليبية ودمياط عمومًا كانت محط أنظار كل الحملات الصليبية القادمة من أوروبا على مصر .

الأوضاع داخل الديار المصرية :

في تلك الفترة كان يحكم مصر والشام معًا الملك الصالح أيوب، وكان رجلاً صالحًا من عظماء بني أيوب تولى الأمر بعد أخيه الكامل محمد فصحح كثيرًا من أخطائه خاصة جنايته العظيمة بالتنازل عن بيت المقدس للملك فريدريك الثاني سنة 625هـ، واستطاع الصالح أيوب أن يعيد بيت المقدس للمسلمين سنة 642هـ، واسترد دمشق سنة 643هـ وعسقلان سنة 645هـ، وأعاد للدولة الأيوبية هيبتها ومجدها السابق الذي فرط فيه أخوه الكامل محمد .

عانى الصالح أيوب كثيرًا بسبب عمه إسماعيل الذي كان واليًا على دمشق، وكان نكبة على الإسلام وأهله حالف الصليبيين وأدخلهم دمشق وتعاون ضد ابن أخيه أيوب، ودخل في حروب طويلة معه من أجل الاستيلاء على مصر مما أضعف من قوة الصالح أيوب وأنهك جيوشه من كثرة القتال مع الصليبيين ومن عاونهم .

احتلال دمياط :

وصل لويس التاسع بجيش جرار يقدر بمائة ألف مقاتل إلى مدية دمياط وذلك بحرًا وهجم على المدينة بسرعة ففر كل من فيها من الجند والحراس ومعهم بعض العامة، واستولى الصليبيون بسهولة على المدينة وقاموا بارتكاب مذابح مروعة بحق أهل البلد المسلمين وحولوا الجوامع والمساجد إلى كنائس وذلك في شهر ربيع الأول 647هـ.

أعلن الصالح أيوب النفير العام في الديار المصرية، وأتته الجنود من كل مكان، وأسرع لمنازلة الصليبيين، وقام ببناء مدينة مقابلة لدمياط حيث معسكر الصليبيين وسماها [المنصورة] وقام بالقبض على الجنود الفارين من وجه الصليبيين بدمياط وشنق بعضهم تعزيرًا لهم على التولي يوم الزحف، ولام الباقي على ترك المصابرة قيلاً ليرهبوا عدو الله وعدوهم، وكان الصالح أيوب في تلك الفترة مريضًا، ولكنه لشدة شجاعته وجلده لم يظهر التوجع الألم أمام أحد .

تقدم الملك الصليبي نحو المنصورة حيث معسكر المسلمين محاذرًا الاقتراب من ضفة فرع دمياط حتى لا يقع في نفس خطأ الحملة الصليبية الخامسة عندما دخل قائدها [جان دي بريين] في اتجاه خاطئ أفشل لحملة بأسرها، ولكن جماهير المصريين المتطوعين للجهاد ضد الصليبيين أقبلوا بأعداد كبيرة، وذلك لشن حرب عصابات ضد الجيش الصليبي، وقام المصريون ببطولات رائعة وأعمال فدائية في غاية الشجاعة والمكر والطرافة أيضًا ضد الصليبيين .

وفاة الصالح أيوب :

في تلك الأثناء تزايدت العلة والمرض على الصالح أيوب حتى مات رحمه الله في 15 شعبان سنة 647 هـ، ولم يكن عنده ساعة موته سوى جاريته وأم ولده خليل [شجرة الدر]، وكانت امرأة عاقلة ذات حزم ودهاء فأخفت موته على الناس حتى لا يفت ذلك في عضد الناس وهم أمام عدوهم فعد ذلك في غاية الحكمة والتعقل وأظهرت أنه مريض مدنف لا يقوى على الحركة وبقيت تعلم عنه بعلامته وأرسلت إلى كبار الأمراء وأطلعتهم على خبر موته وتشاوروا فيمن يولونه على الجيش بعده فاجتمعوا على توليه ابنه توران شاه .

أرسلوا على توران شاه وكان واليًا على [كيفا]، وكان مجافيًا لأبيه حال حياته فأرسلوا إليه فجاء سريعًا فملكوه عليهم وبايعوه جميعًا، وكان الصليبيون في هذا الوقت قد اقتربوا من قرية [شارم ساح] والتي عرفت بعد ذلك بمدينة [فارسكور] .

معركة فارسكور :

جاء توراه شاه وقاد جموع المسلمين واستعد للصدام مع الصليبيين عند مدينة [فارسكور] وبالفعل كان الصدام يوم الأربعاء 3 محرم سنة 648هـ، ودارت جيوش المسلمين حول الصليبيين واستولوا على مراكبهم التي جاءوا بها من الشام في حملتهم الصليبية وشعر الصليبيون أنهم محاصرون بين البحر والمسلمين فاستماتوا في القتال، ولكن هيهات هيهات أخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب حتى قتل منهم ثلاثون ألفًا وغرق الكثيرون ووقع في الأسر الملك لويس التاسع وأخوه .

وضع لويس التاسع سجينًا في دار ابن لقمان بالمنصورة حتى ينظر توراه شاه في أمره وأخذ رداؤه الذي كان يلبسه أثناء القتال وأرسله مع رسول إلى دمشق ليبشر به الناس بالانتصار الكبير على الصليبيين ودخل المسلمون كنيسة مريم فأقاموا بها فرحًا لما علموا بالنصر وكادوا أن يخربوها، وكانت النصارى ببعلبك قد فرحوا حين أخذ الصليبيون دمياط فلما وصلت أخبار هزيمتهم لبسوا السواد وأعلنوا الحداد فأرسل والي البلد إليهم فجمعهم وأوقفم صفًا وأمر يهود البلد أن يصفعوهم ففعلوا .

أرسلت مرجريت زوجة لويس التاسع الملهوفة على زوجها بفدية ضخمة لتوران شاه ليفك أسره فقبل المسلمون ذلك، ودفع لويس التاسع لفداءه هو وعساكره مبلغ عشرة ملايين فرنك، وقد أقسم بأغلظ الأيمان ألا يعود لحرب المسلمين مرة أخرى.

 

مقالات ذات صلة