رياض السنباطي من أعلام دمياط

رياض السنباطي

رياض السنباطي

ولد رياض السنباطي سنة 1906 في بلدة فارسكور، من أعمال دمياط لشيخ مقرئ تعود الغناء في الموالد والأفراح والأعياد الدينية في القرى والبلدات الريفية المجاورة. وتفتح أذنا الفتى الصغير على أبيه يعزف على العود ويغني الغناء الأصيل والتواشيح الدينية. فلما بلغ التاسعة من عمره، ضبطه والده عند جارهم النجار، هاربا من المدرسة يضرب على العود، سمعه يغني أغنية الصهبجية: ” ناح الحمام والقمري على الغصون “، فطرب لصوته، وقرر أن يصطحبه إلى الأفراح. وفي ذلك العهد خاتمة عصر سلامة حجازي وفاتحة عصر سيد درويش، كانت لمصر دنياها، وللأرياف دنياها. لكن بداية ظهور الأسطوانة والفونوغراف سنة 1904 مكنت الصلة بينهما. فاستمع الفتى الصغير إلى عبد الحي حلمي ويوسف المنيلاوي وسيد الصفطي وأبي العلاء محمد وغيرهم. بيد أن أستاذه الأول كان والده الشيخ محمد، في أغنيات لمحمد عثمان وعبدة الحمولي.
أخذ السنباطي يجول مع والده في الأرياف بعدما استقروا في المنصورة، وبدأ الفتى يشتد عودا في الغناء، ويطول باعا في العزف، حتى لقب بـ” بلبل المنصورة ” وهو لما يزل في الثانية عشرة من عمره.
كان السنباطي في السابعة عشرة من عمره حين مضى إلى القاهرة واستقر فيها، ولم يلبث أن دخل معهد الموسيقى العربية تلميذا، فارتأى معلموه أن هذا الفتى الناحل يعلم من فنون والده أكثر مما يعلمون، وأنه يضرب على العود أحسن مما يضربون، فعينوه أستاذا لتعليم الموشحات والعزف على العود في المعهد، واعتد بشبه إجماع في طليعة عازفي العود العرب، إن لم يكن أعظمهم. هناك كان رياض يلتقي أمير الشعراء أحمد شوقي والمطرب الشهير الذي كان يرعاه: محمد عبد الوهاب. ويروي السنباطي أن أول لحن وضعه ليغنيه هو قصيدة شاعر المنصورة على محمود طه: ” يا مشرق البسمات أضئ سماء حياتي”.
في صحبة هؤلاء القوم أخذت مشاعر بلبل المنصورة ترتقي، ومداركه تسمو، فاستساغ الشعر الذي أوحى إليه فيما بعد أعظم ألحانه. وكان من شأن هذه العشرة أنها شدت عريكته في الفن وألهمته الصرامة والجد وابتغاء المستوى والتميز واجتناب السهولة وإغراء الرواج الرخيص. وتعرف على حسين المنسترلي فعرفه بشركة {أوديون} الشهيرة للأسطوانات وأخذ يسجل لديها ألحانه لقاء أجر زهيد جدا، فغنى بصوته لكنه آثر التلحين. فغنى له عبد القادر “أنا أحبك وانت تحبني”، وغنت له منيرة المهدية أوبريت {عروس الشرق}، فاشتهرت شهرة طيبة وغنى له عبد الغني السيد {يا ناري من جفاك}.
قبل عام 1948 ظهرت ملامح التلحين بالأسلوب السنباطي المعتمد على الإيقاعات العربية الوقورة، والبحور الشعرية التقليدية الفسيحة، والكلمة الفصحى التي تقتضي في الإجمال لحنا مركزا، والسكك المقامية الراسخة البعيدة عن المغامرة، لكن كثيرا من ألحان السنباطي قبل 1948 كانت تنم منها أعراض التأثر المباشر الصريح بمن عملوا معه من عباقرة اللحن، فانصرف إلى أسلوبه الخاص يعلي صرحه لبنة لبنة، حتى اختلط الأسلوب الكلثومي في الغناء بالأسلوب السنباطي في التلحين، وأمكن لرياض أن يقول: {قصة حياتي هي أم كلثوم}.
أما مرحلة الكلثومي، فهي الخطيرة من عمر السنباطي، بدأت بلحن من أكبر ألحانه: “رباعيات الخيام”، التي يعدها ثالث الإثنين تحفة عمره، مثلما يحق لكل من السنباطي وأم كلثوم أن يعدها تحفة عمره. وكان أول ما لحنه من الرباعيات، الرباعية البادئة بقوله: “أطفئ لظى القلب بكأس الشراب”، فأبدل من الكلمتين الأخيرتين عبارة: “بشهد الرضاب”، عملا بمسالك الوقار الذي وسمه في كل مناحي نشاطه. وفي السنة نفسها غنت له أم كلثوم قصيدة “النيل” التي قالت فيها إنها معجزة شوقي، وقال فيها عبد الوهاب إنها من أجمل ما وضع السنباطي من ألحان. وغنت أيضا: “ياللي كان يشجيك أنيني”، ولحن في السنة التالية أغنية: “سهران لوحدي” التي أخذت أم كلثوم شعرها من محمد عبد الوهاب سنة 1944.
وكرت سبحة الكلثوميات الكبيرة: يا ظالمني- وجددت حبك ليه- ذكريات، وفي سنة 1958 ظهرت مجموعة من الكلثوميات المشهودة التي أرست طابع الأغنية السنباطية المسرحية: أروح لمين- أنا لن أعود إليك- شمس الأصيل وعودت عيني وغيرها من الأغاني.
لم تكن القصيدة العربية وحدها هي التي وسمت ملامح نتاج السنباطي الكلثومي، وهي ملامح أثرت حتى في أغنياته الزجلية الكلثومية أيضا، بل اتخذت الأغنية الدينية والقصائد الوطنية مكانتها في تشكيل هذا الصرح. وكانت لأمير الشعراء الحصة الكبرى في اغنيات أم كلثوم الدينية: من سلوا قلبي إلى نهج البردة الخالدة المعارضة لبردة البوصيري.
ولحن السنباطي الكثير من أغنيات أم كلثوم السياسية والوطنية، فبلغت ثلاثا وثلاثين، أشهرها نشيد الجامعة ونشيد بغداد ، وقصيدة “النيل” وغيرها.
ويجمل جبرائيل سعادة مجموع ما غنت أم كلثوم من أنغام السنباطي، بست وتسعين أغنية: إحدى وعشرين قصيدة وأربعة عشر مونولوجا، وثلاث عشرة طقطوقة، وثلاث وثلاثين وطنية، وخمس عشرة أغنية سينمائية. أما المصري وكامل فيحصيان إحدى وتسعين أغينة من ألحانه.
أشكال الأغنية السنباطية:
• حيرت قلبي معاك: مطلعها مطول يضم خمسة أبيات تغنى بعد المقدمة الموسيقية. والأغنية بعدئذ تحتوي على ثلاثة مقاطع: “يا قاسي”، و”يا ما ليالي”، و”خاصمتك”، وهي مختلفة الألحان. لكن ختام كل مقطع يعاود بالكلام نفسه واللحن نفسه ختام المطلع: “بدي أشكيلك”. ولذ يتعذر القول إنها من شكل المونولوج المقيد، لأن ختام المقاطع هو مذهب غير مستقل يعاود اللحن على الكلام نفسه. وكذا يصعب القول إنها طقطوقة لأن كل مقطع أشبه بمونولوج مستقل اللحن والمزاج. والمقطع الأخير جزء كبير منه مرسل. وإنما هذا شكل أساسي من الأشكال التي نسج عليها السنباطي كثيرا من أغنيات أم كلثوم المسرحية.
• أروح لمين: تبدأ بالمقدمة الموسيقية ثم المطلع: أروح لمين وأقول يا مين. ثم ثلاثة مقاطع أيضا: “كلمة ونظرة عين”، و”يطول بعدك”، و”أروح لمين”. وهي جميعا مختلفة الألحان، لكنها تنتهي إلى لحن موحد على كلام خفيف: “لوعني حبك”، و”لحد إمتى”، و”شوف دمعي جاري”، والأخير مختلف قليلا في البدء، لكنه ينتهي إلى الختام ذاته: “أروح لمين وأقول يا مين ينصفني منك”، وهذا على شكل الأغنية السابقة، لولا تبدل كلام الختام في المقاطع الثلاثة.
•   لسه فاكر: مقدمة موسيقية ثم ثلاثة مقاطع.
•   يا ظالمني: إحدى أعظم الأغنيات الكلثومية السنباطية المسرحية، وهي تتضمن مقدمة موسيقية ومطلعا وثلاثة مقاطع.
•   دليلي احتار: مقدمة موسيقية، ثم مطلع قصير متصل بالمقطع الأول.
• غلبت أصالح بروحي: مونولوج مقيد نموذجي، علاوة على أنها من أجمل الغناء العربي على الإطلاق. المقدمة الموسيقية فيها طويلة ومركبة وجميلة، المقطع الغنائي في المقابل قصير، من بيتين.
القصيدة السنباطية:
•   مصر تتحدث عن نفسها: قصيدة مطلعها وختامها على مقام واحد على ما يقتضيه شكل قصيدة الشيخ أبي العلاء. وهذه القصيدة مقامها الراست، وهي مقسمة إلى خمسة مقاطع، وملحنة على مبدأ القصيدة التقليدية، إذ تتفق الجملة الموسيقية مع طول البيت أو مع عدد من الأبيات. وفي هذه القصيدة خمسة مقاطع: أولها أربعة أبيات تبدأ بقولها: “وقف الخلق ينظرون جميعا”، وهي ملحنة على مقام الراست. تلي المقطع الأول لازمة شبيهة بالمقدمة الموسيقية، وتبدأ من الدرجة الموسيقية ذاتها، لكنها على مقام الحجاز لأنها تمهد للمقطع الثاني وهو على مقام الحجاز: “أنا إن قدر الإله مماتي”. ومن الدرجة الموسيقية ذاتها لازمة على مقام البياتي تمهيدا للمقطع الثالث: “كم بغت دولة علي”، ثم لازمة أخرى مشابهة، على مقام الكورد للمقطع الرابع: “أمن العدل أنهم”، ويتكرر الكورد في المقطع الخامس: “قد وعدت العلا”، الذي تعود فيه عند قولها: “وارفعوا دولتي على العلم والأخلاق” إلى مقام الراست، من أجل أن يعود باللحن إلى ختام المقطع الأول: “أنا تاج العلاء في مفرق الشرق”. إنها أغنية من أقوى ما وضع السنباطي سبكا وفكرا موسيقيا، ولحنها من أجمل ما لحن.
•   سلو قلبي: قصيدة أخرى من القصائد الكلثومية التي وسمت طابع الأغنيات السنباطية المسرحية، وهي مسبوكة سبكا ينم عن تفكير موسيقي خطير بلغ ذروة قلما تدرك. والعمود الفقري في شكل هذه القصيدة هو اللوازم الموسيقية التي تتردد بانتظام محسوب وبتبديل مقامي مرتب. واللوازم تمهد مرة لإعادة ما سبقها من أبيات، ومرة تمهد لأبيات جديدة، على مقام جديد. ولذا فإن لحن خواتيم الأبيات كثيرا ما يناسب لازمتين على مقامين مختلفين في آن، وبيان ذلك: أن القصيدة على مقام الراست، وهي تبدأ وتنتهي إذن على هذا المقام.
لقد تأثر السنباطي بعبد الوهاب وبالقصبجي. وكان أثر زكريا أحمد فيه أقل بيانا، لكن السنباطي ككل فنان عظيم حين ينضج ويشتد عوده، اختط لنفسه سبيلا خاصة به، بدت واضحة على الخصوص في كلثومياته. فإيقاع لحنه اتخذ إيقاع البحور الشعرية العريضة التي استساغتها أم كلثوم، وإيقاع الكلمة العربية الفصحي ذات البيان والوقار. وكذا اتسمت بالوقار سككه المقامية التي تجنبت مغامرات التلوين غير المألوفة، وصاغت القفلات المسرحية صياغة متأنية تتصاعد تصاعدا مدروسا ينتزع الآه من القلوب، وأحيانا الطرابيش من الرؤوس. ولعل تمرس السنباطي في أغنيات أم كلثوم المسرحية طوال عقود، جعله سيدا لا يجارى في هذا اللون. والخبراء يعلمون ما للغناء المسرحي من متطلبات دقيقة، هي الحد الفاصل بين الفشل والنجاح.
أما المضمون النغمي، فيرى نقاد كثر أن السنباطي اتخذ اللون الصوفي، فنسج منه قماشة ألحانه السنباطية الخالصة، وفصل منه عشرات الأغنيات التي تسمعها، فلا تخطئ فيمن لحنها. ولا شك في أن أجواء القصائد التي اختار السنباطي أن يلحنها، أوحت إليه بمستواها الراقي، ألحانا من المستوى والأجواء نفسها.
ولألحان السنباطي سمة أخرى هي أنه ينسج الأغنية من أولها إلى آخرها على مزاج واحد لا يفارقها. ولم يكن ذلك مسلك عبد الوهاب والقصبجي، في معظم ألحانهما، إذ انصرفا إلى التجديد. وثمة من يحب أن يضيف إلى ملامح الأسلوب السنباطي الخاص، المكوث على الطابع العربي الخالص، لا تخالطه بدعة ولا هرطقة.
وكذلك فإن السنباطي لم يكن صارما مع الآخرين فقط، بل مع نفسه أولا، فرفض لألحانه الإنحدار بعدما أدركت الذرى. ولعل من يقارن السنباطي بعبد الوهاب كمن يريد استعادة قول الفرزدق في مقارنة نفسه بجرير، إذ قال: جيده أجود من جيدي، ورديئه أردأ من رديئي.
وكذالك لحّن رياض السنباطي “شمس الأصيل”، و”مصر التي في خاطري”، فكان بعضا من أهرامها، وفرعا من نيلها، ووجهة نظر عبقرة في الموسيقى العربية المعاصرة.. وجهة نظر استطاعت بحجمه أن تدخل التاريخ، حتى قبل رحيله.

مقالات ذات صلة