د.ماجد موريس يكتب: لماذا لا يعود الأنبا بيشوى للدير؟

د.ماجد موريس يكتب: لماذا لا يعود الأنبا بيشوى للدير؟

د.ماجد موريس يكتب: لماذا لا يعود الأنبا بيشوى للدير؟

عندما نعود للماضى فهذا معناه أننا نضيق بالحاضر وكلما ازداد اشتياقنا له ورجوعنا إليه يعنى هذا أن الحاضر غدا قبيحاً منفرا.. لن أعود لتاريخ سحيق ولكننى أستعيد الآن جلستى على مقعد فى الروضة بجوار زميلى ماهر محمد صبرى، أنا أقول له إن عبدالناصر مسيحى، وهو يؤكد لى أن عبدالناصر مسلم، وننصرف كل يوم دون أن نصل لنتيجة، لأن الفارق كان لا يعنى شيئا.. جرت الأيام سريعة وتراكمت أحداث بعد أحداث، تغيرات خارجية وأخرى داخلية، مستجدات على المستوى الاقتصادى والاجتماعى ليس هذا مقام ذكرها، إلى أن وصلنا إلى زمن الفتنة والتلاسن، زمن عشوائى بغيض يصدق عليه القول الشعبى «القوالب نامت والأنصاص قامت» أو بالعربى الفصيح «إذا نام الأسد قفزت القرود إلى الأشجار».

تقديم لابد منه فى إطار رصد التداعيات المتسببة عن التصريحات المتوالية للأنبا بيشوى، سكرتير المجمع المقدس، (وهو يضم جميع أساقفة الكنيسة القبطية) فى وسائل الإعلام:

١- قبل ٤ أو٥ عقود كان النظام الناصرى، وأضفت الديكتاتورية ظلالها على جميع المؤسسات، وسادت كاريزما الرجل الأوحد، عبدالناصر من المحيط للخليج، تناظرها فى أفئدة الأقباط كاريزما رجل الصلاة الطيب البابا كيرلس، وساهم هذا التوازن فى جو عام من الاستقرار.

٢- على مدى العقود السابقة تواتر التقدم المذهل فى عالم الاتصالات والمعلومات. لا يثير الدهشة أن تصل إليك المعلومة عن بيت وقع فى الشرق أو حريق شب فى الغرب وأنت قرب مخدعك. وقد أدى هذا لزيادة الرعب والهلع، الذى بات يهدد حياة الناس لشعورهم بأنهم لم يعودوا بعيدين عن مرمى النيران. وأنا أفترض أن المشاكل الطائفية لم تتوقف فى مصر عبر السنين، ولكن الفرق بين زمان والآن.. زمان كان الحدث محلياً محدوداً وكان هناك كبار كلمتهم مسموعة، والآن ينشر الحدث المحلى على الشبكة العنكبوتية فيكتسب صفة عالمية، واختفى دور الكبار، وانتقل إلى اللجان واللجان المنبثقة مروراً بالروتين البطىء.. ومما تغير أيضا أن القول حل محل الفعل، والبصر محل البصيرة، وحلت مؤسسات الحكم محل الحكمة.

٣ – تغير المناخ السياسى فى عهد الرئيس السادات ولعدة أسباب كانت ضرورة المزاوجة بين الدين والسياسة. فى عصر الزهو بالانتصار العسكرى المبهر حدث تداخل وفوضى مفهومية عن توجه الدولة.. رئيس يعلن أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة، ثم لا يلبث أن يحذر من الخلط بين السياسة والدين، ثم دفع الخوف المستطير برئيس الجمهورية إلى الزج بكل الرموز المدنية والدينية بالدولة فى المعتقلات قبيل اغتياله بشهر واحد.

٤- مع اتساع الرقعة الديمقراطية والانفتاح السياسى والاقتصادى غاب عن الساحة دور الزعيم الأوحد (عبدالناصر والسادات) وحل محله دور أكثر إنسانية (مبارك) ولم يعد ممكنا أن تجتمع كل خيوط المشكلة، أى مشكلة، فى يد شخص واحد، تعددت الأطراف الفاعلة والمتأثرة بكل قضية من القضايا وبكل حدث من الأحداث، وهذا ما أدى إلى كشف ما كنا نعتبره واجب الستر. هل كان يجرؤ أى صحفى على أن ينشر مجرد خبر عن مرشد الإخوان أو عن الجماعة فى الستينيات؟ نفس الشىء ينطبق على الكنيسة القبطية حتى أصبحت أخبارها الداخلية وما يجرى فى دهاليزها مطروحاً على الصحافة ووسائل الإعلام، وأقول بمنتهى الارتياح إن هذا الوضع سبب إزعاجاً بالغاً لقيادات الكنيسة التى هى بطبيعة تكوينها وعبر تاريخها مبنية على تسلسل سلطوى هرمى محكم.

٥ – إن تأمل المشهد سويا، كيان سلطوى بحكم طبيعته «على ابن الطاعة تحل البركة» يعيش فى مجتمع يخرج خروج الفراشة من الشرنقة، محاولا التخلص من ظلال الديكتاتورية، للانطلاق فى فضاء الديمقراطية والليبرالية- كان لا بد أن يلقى هذا التناقض بظلاله على توجهات المواطن المصرى الذى يدين بالمسيحية. يتعامل المواطن المصرى مع كل من صعوبة المعيشة والمستجدات السياسية، أما المواطن المصرى المسيحى فيضيف إلى هذه الهموم ما يلقى من مشاكل، بسبب التمييز مضافاً إليها ضرورة أن تكون له رؤية إنسانية لقضاياه بعيدا عن هيمنة رجال الكنيسة. تضيق القيادة الكنسية من التيار العلمانى.. ويقولون إن كل مسيحى ليس من رجال الدين ينطبق عليه وصف العلمانية، وهذا صحيح، ونقول نحن إن كل من ليسوا من رجال الدين لهم آراؤهم فى قضايا الوطن العامة، ولهم رؤيتهم فى المشاكل التى يتعرضون لها بصفتهم الدينية ولهم كل الحق فى الشروع الإيجابى فى حلها تحت مظلة المواطنة، الأقباط العلمانيون لهم الحق كله فى التعبير عن رؤاهم وعرض مقترحاتهم فى القضايا المدنية والسياسية، فإذا جار على هذا الحق واحد أو آخر من رجال الكنيسة فعليه أن يراجع نفسه ويعود إلى صوابه ويلتزم بتعاليم الإنجيل التى تحض على أن نعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله. إذن تدخل القيادات الكنسية فى القضايا التى تخص المجتمع يجب أن يفهم فى إطار التعبير عن هم شخصى وعن رؤية شخصية باعتباره مواطناً كأى مواطن آخر دون أن نكسب هذا الرأى صفة طائفية أو نضفى عليه صبغة دينية لأن فى هذا تجاوزاً واضحاً للدور الكنسى المفترض أن يؤدوه ويكرس حياته للوفاء بمتطلباته.

٦- تجد وسائل الإعلام والصحافة فى الحديث مع رجال الدين المسيحى مادة رائجة ومثيرة. لا يكاد يوم يمر دون خبر أو حديث أو تصريح لقداسة البابا شنودة، ومن بعده يأتى من حيث التكرارية الأنبا بيشوى (مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدس) وهكذا تأثرت رؤية المصريين ككل للمكون المسيحى من المجتمع بما يصرح به البابا أو الأنبا بيشوى، والبون بين الشخصين واسع جدا.. بون بين العمق والسطحية، وبين الجوهر والمظهرية، وبين الاختفاء وراء الخالق وبين تقديم المخلوق، بين انتزاع الكلمات والعبارات وبين التطوع بالثرثرة غير المحسوبة. شد ما أثار انتباهى أنه تعليقا على ما أثاره الأنبا بيشوى فى مؤتمر «تثبيت العقيدة» الذى عقد فى الفيوم أن رجال الكنيسة القبطية آثروا الصمت، وقالوا إنه قد لا يقصد ما فُهِم من كلامه!! وهو موقف يبين مدى الالتزام بالنظام السلطوى الهرمى، وهنا وفى نفس الإطار أقول للأنبا بيشوى: لماذا لا تلتزم -بالتالى- بعدم التعرض للقضايا التاريخية وتكف عن التصريحات التى تخرج بك عن قاعدة ما لقيصر وما لله؟.

٧- نصل لشخص الأنبا بيشوى وهو مربط الفرس بعد هذا التمهيد فنقول إن علامات استفهام كثيرة تحيط به منذ زمن ليس بقريب. علامات استفهام تحيط بتشدده العقيدى ضد الطوائف غير الأرثوذكسية، وعلامات استفهام تحيط بموقفه من آراء الأب متى المسكين والإجراءات التى كان يتخذها من رجال الكنيسة الذين يعرضون كتبه فى مكتبات الكنائس أو يستشهدون بأقواله فى عظاتهم. علامات استفهام تحيط بسيطرته على المناطق التى تدر دخلا للكنيسة القبطية من التبرعات والنذور فى كنائس مارجرجس بميت دمسيس والست دميانة بالبرارى ببلقاس وأبانوب بسمنود والست رفقة بسنباط، إضافة لإيكال البابا له مهمة الإشراف على عدد من مناطق الصعيد ورئاسته مجالس إدارة عدد من كنائس القاهرة بالأحياء الغنية، علامات استفهام تحيط بدوره فى الوقيعة بين ثروت باسيلى وكيل المجلس الملى بالقاهرة وبين البابا شنودة. كل هذه التساؤلات تصب فى خانة رصد معالم شخصية تسلطية استحواذية شديدة الإعجاب بذاتها (قال لى أحد كبار رجال الصحافة إن الأنبا بيشوى يعلق فى غرفة مكتبه بدمياط والبهو المؤدى لها ٣٦ صورة شخصية) نضيف لهذا كله سمة التعصب التى تنافى الكياسة والمرونة، وتتأكد بالاعتزاز الشديد بالذات وتسفيه آراء الآخرين .

الوقفة مطلوبة بشدة وهذا وقتها وآن أوانها الذى تأخر كثيرا، ورب ضارة نافعة، وأخاطب:

١- الأحبار الأجلاء أعضاء المجمع المقدس وفيكم ذوو الخبرة والتجربة والمخضرمون، هذا وقت تتخذون فيه موقفا يسجله لكم تاريخ الكنيسة، المفروض أنه مضى وقت طويل لإعادة اختيار سكرتير المجمع وقد آن الأوان ولكم بكل ثقة أن تختاروا من ترونه جديرا بتحمل تبعات هذه المسؤولية.

٢- قداسة البابا شنودة الثالث، تربينا على عظاتكم وأثرت قصائدكم فى وجداننا، وكنت وما زلت مصدر افتخارنا بمواقفك الوطنية الحكيمة وبمحبتك الصادقة للجميع، نعلم أنه من الصعب على الإنسان أن يستيقظ ذات يوم ليصحح رؤيته لواحد من محبيه وكبار معاونيه، ولكن المسؤولية التاريخية أهم وأبقى والحفاظ على سلامة الشعب ووحدة الكنيسة أهم وأبقى، وأخطاء المعاونين فى النهاية تحسب تاريخيا على القائد وليس على البطانة (أخطاء صلاح نصر تحسب على عبدالناصر، وهزيمة عبدالحكيم عامر نسبت لعبدالناصر وكان اختفاء عامر من الساحة بعد الهزيمة خطوة فى نيل إبراء الذمة).

لقد استننت يا قداسة البابا سنة أن يختار الشعب من يرعاه، فإن كان هذا التوجه صادقا وأغلب ظنى أنه كذلك، فلماذا لا تستجيب لرغبة الشعب فى عودة هذه الشخصية للدير ويمكن جمع ١٠ آلاف توقيع على هذا المطلب. لماذا عملا، بسلطاتك الكنسية الأبوية، لا تُيسّر عودة الأنبا بيشوى للتفرغ للعبادة بالدير وهو الهدف الذى نظن أنه هجر العالم من أجله. ويا بخت من أراح واستراح. وفى المواقف الملتبسة مثل هذا الموقف نثق فى وضوح رؤيتكم وثاقب نظركم ومواقفكم الشجاعة.

مقالات ذات صلة